
كتابات - آشور كيواركيس
تكاثر الحديث في الآونة الأخيرة عن إضطهاد لـ”المسيحيين” في العراق، والهدف من إشاعة هذه العبارة هو تصوير المأساة على أنها ذات دافع ديني، بينما يرى “المسيحيون” في العراق أنها ذات دافع قومي، وهنا الصواب بعينه كونها موجّهة ضدهم كآشوريين بغض النظر عن انتمائهم الكنسي (الكنيسة السريانية أو الكلدانية، أو الآشورية الشرقية) ومع النظر إلى توزعهم الجغرافي داخل العراق. وهذا الإعتقاد بات سائداً ليس في الأوساط الآشورية فحسب، بل أيضا في الأوساط العراقية على كافة المستويات خصوصاً بعد كشف العديد من المعتدين والتبـيّـن بأنهم ينتمون إلى “أحزاب قومية كردية” (1) معادية للآشوريين، وليس “منظمات دينية إسلامية” معادية للمسيحيين، لذلك فإن الحديث عن إضطهاد “مسيحيين” لا يعطي الضحية حقها وهذا هو الخطأ الفادح التي تقع فيه وسائل الإعلام الغير آشورية.
***************
“إنها حرب الكلاب، لكنها تجعل من أميركا عظيمة حيث أن الأقوياء عديمي القلوب يرتقون إلى القمّة، بينما الضعفاء يحترقون كما يحترق النفط، لكي تبقى لاس فيغاس مشعشعة طوال الليل…” - هكذا تصف الصحفية الكندية نعومي كلاين * حروب أميركا التي كانت آخرها تحت شعار “تحرير العراق من صدّام” والذي رفعته الولايات المتحدة تارة بذريعة إنقاذ الشعب العراقي من الدكتاتورية والتسلـّط العائلي أو الحزبي على مقدرات الدولة، وتارة أخرى تحت شعار “الحرب على الإرهاب” الذي اعتبره كبار منظرّي السياسة الخارجية الأميريكية، حجة جورج بوش للسيطرة على العالم (2) … لينتهي الأمر بالعراق إلى ديموقراطية القتل والأسلمة والتكريد والتخلـّف، لدرجة أن المراقب يتوقف عند محطات العهد السابق ليلاحظ زيف الوطنية العراقية لدى التيارات المعارضة لصدام في حينه، ولا نقولها دفاعاً عن صدام بل حسرة على ما وصل إليه العراق تحت حكم معارضيه … كل هذا فيما الولايات المتحدة ثقف وقفة المتفرّج إن لم تكن المحرّض الذي بدأ يتنصّل من المسؤولية إلى حين ظهور ضوء أمل جديد في المرحلة الرئاسيـّة الأميركية المقبلة، وذلك بعد فرض الإتفاقية الأمنية على العراق بمساعدة الأيدي الأميركية في الدولة العراقية مثل الزعماء الأكراد وبعض زعماء الشيعة الذين دخلوا في لعبة “تبادل القبلات” بين إيران وأميركا من تحت طاولة الملف النووي الإيراني، ونتيجة ما سمّيَ “تحرير العراق” كانت كارثة وطنية أدّت إلى العبث بالنظام الإجتماعي والإقتصادي العراقي كما إلى هجرة الأدمغة العراقية (من نجا منهم) وتحويل الشعب العراقي إلى مجتمع فقير يعيش فوق أكبر خزان نفطي على وجه المعمورة على قشرة مساحتها 434 ألف كلم2، يرفرف عليها العلم الإسرائيلي في الشمال، والأميركي في بغداد، والإيراني في الجنوب…
أمّـا بالنسبة للتعامل العراقي – العراقي، فإن انتقال العراق المفاجئ من مرحلة التسلط العائلي أو الحزب الواحد إلى مرحلة التعددية والديموقراطية، كان السبب الأوّل في الفوضى التي تترجمت واقعاً من فوضى العقيدة (قومية كانت أم دينية) إلى فوضى الشارع (المغذى بالعقيدة الفوضوية) ومن ثم إلى فوضى البرلمان (المنتخب من الشارع الفوضوي) لنصل أخيراً إلى فوضى الدستور (المشرّع من البرلمان الفوضوي)، حيث أتى نصّ الدستور بدوره مشرّعاً قانونياَ في القضاء على ثقافات عراقية أصيلة من خلال مواد دستورية تعتبر الأكثر تخلفاً في تاريخ البشرية، وكل ذلك يعود إلى “مساومات” بين الأطراف المسيطرة على السياسة الداخلية العراقية، وهذا باعتراف مسؤولين حكوميين بارزين (3) شاركوا في تلك المساومات أثناء كتابة ما سمّي بـ”قانون إدارة الدولة” في ربيع 2004.
إذاً ما يجري في العراق اليوم بحق شعوبه الأصيلة (الآشوريون، الصابئة، والإيزيديون) هو إرهاب دولة قائمة تأخذ دور غطاء لـ”فوضى ميلشيات” لأن تلك الميليشيات أيا كانت، هي ممثلة رسميا في المؤسسات الدستورية العراقية وهي من شاركت في كتابة ما سُمّيَ “قانون إدارة الدولة” وبعده ما سمّي بالدستور الدائم (المعروف لدى الآشوريين بـ”الدستور الكردو- إسلامي”)، ما ساعد على تطبيق الأيديولوجبات الفوضوية (الأسلمة والتكريد) تم تغطيتها من قبل التيارات الحاكمة من كردية وشيعية تحديداً. وهكذا، صدَقت إحدى المنظمات الآشورية مؤخراً بوصف الوضع على أنه “انتقال الشعب الآشوري في العراق من مرحلة الإضطهاد الدكتاتوري إلى مرحلة التصفية الديموقراطية” (4) ، فإن وضع الآشوريين لم يعد قابلا للسكوت عنه، بحيث يعتبرون اليوم أكثر الشعوب اضطهاداً في العالم، فقد تمّ تهجير ثلثيهم بمخطط استراتيجي ذي أبعاد وأشكال مختلفة، منها المهذب المقبول أوروبياً وأميركيا، ومسيحياً بشكل عام، ومنها الوقح إنما المقبول عراقياً على مستوى الدولة وأقطابها الفئوية.
العوامل التي سهّلت اضطهاد الشعب الآشوري “بعد سقوط صدام” (على سبيل المثال لا الحصر):
أولاً : بساطة المجتمعات الغربية، أوروبية أو أميركية وغيرها، وبذلك انعدَم عامل الرادع الشعبي لحكومات دول القرار العالمي وهذا واضح في تبنى الكونغرس الأميركي “قانوناً شعبياً” (Public Law) (5) يجيز ضرب العراق، علماً أنّ حكومات الغرب لم تهتمّ يوماً بالعراق ولا أية فئة عراقية أصيلة كانت أم دخيلة، بل جلّ ما همّها عبر التاريخ كان “طريق الحرير” ثم طريق النفط، وما احتلال العراق إلا حلقة صغيرة في سلسلة “الفوضى البناءة” التي تتبناها الإدارة الأميركية على المستوى العالمي، وحتى العراقي منذ نيسان/2003، وفعلا بنت هذه الفوضى حتى اليوم حصنا سرطانيا مستعداً لجعل كركوك الولاية الأميركية الثانية والخمسين (6) في سبيل تحقيق أحلام فئويـّة قد تجلب الويلات لحالميها قبل غيرهم.
ثانياً : تقصير الشعب الآشوري بالرجوع إلى عدّة عوامل وأهمها تلك النفسية التي تتلخص بالخيبة من الأنظمة الحاكمة في كافة دول الشرق الأوسط وبدون استثناء، حيث انعكس ذلك على شعور بالضعف تجاه التيارات المتخلفة (سياسية، دينية أم إجتماعية) المحيطة بالآشوريين في العراق أو غيره، وما دفع بهذا الشعور إلى الأمام هو انعدام “العقيدة” لدى الأحزاب الآشورية العاملة في العراق، بحيث تأتي مطالب تلك الأحزاب من منطلقات وطنية إنما في عراق فئوي، مما ينعكس سلبا على الآشوريين في لعبة المحاصصة المفروضة شئنا أم أبينا، وغالبا ما تكون مطالب الأحزاب الآشورية آنيـّـة وليست مصيرية، وما احتجاجات الساسة الآشوريين على إلغاء المادة /50/ من قانون إنتخابات المحافظات، إلا تغطية لإنهزاميتهم وفشلهم على مستوى المطالب المصيرية وذراً للرماد في عيون الشعب الآشوري وخصوصاً المقيمين في المهجر والذين يشكلون قوة انتخابية يحسب لها الحساب الأكبر في الإستحقاقات القادمة، فحقوق الآشوريين هي أكبر بكثير من
المزيد